حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
مقدمة ومدخل 21
شاهنامه ( الشاهنامه )
مدخل الفصل الأوّل - الملاحم 1 - نشوء الملاحم : لكل أمة ذات أدب نصيب من القصص منظومة ومنثورة . وإنما تختلف الأمم في الإكثار والإقلال ، والإجادة والتقصير . وليس يواتى الشعر القصصى أمة إلا بعد تجاريب ووقائع تهيج حميتها ، وتثير فيها الاعجاب بمآثرها ، والفخر بأحسابها فتتغنى بمناقبها وأفاعيل أبطالها ، وتنسج حول الحادثات كثيرا من الخرافات يجد فيها كبرياء الأمة وخيالها مجالا أرحب من مجال الحقيقة المحدود . فتنشأ قصص شتى منثورة ومنظومة . وقد يتاح لهذه الحادثات الشتيتة ، والأساطير المتفرّقة شاعر يؤلف أشتاتها ، ويسلكها كلها في نظام واحد فيجد الناس شعره ترجمان مشاعرهم ، وجماع أقاصيهم الموروثة قد أعطيت من النظام والجمال ما لم يعهدوه من قبل . فيكلفون بهذه القصص ويتخذونها سمرهم وأغانيهم في محافل لهوهم وفخرهم . فتخلد على الزمان حديث الخاصة والدهماء ، وذخر الآباء للأبناء . وللأستاذ مول مترجم الشاهنامه إلى الفرنسية كلام في نشوء الملاحم أعرض على القارئ خلاصة : إن البحث في أصل الملاحم من أشوق المباحث الأدبية وأصعبها . كل الأمم لها قصص فإن أمة لا تنشأ وتشبّ دون أن تجتاز مراحل من المخاوف تتجلى فيها أعمال الأبطال ، ودون أن تنشّئ رجالا يثيرون إعجابها وخيالها وُجدت هذه الملاحم في جزائر بحر الجنوب حكايات مسجوعة تسجل الوقائع وزمانها ، وعرفت عند الايقوسيين والإغريق الحديثين في صورة أغاني تاريخية أنشئت ذكرى لمآثر متفرّقة من مآثر الأبطال . وعند الجركس تراجم منظومة لبعض العظماء أنشدت رثاء لهم ثم حفظت في أُسَرهم وقبائلهم ، وإذا جمعت فهي تاريخ الأمة كلها . وعند الأسبانيين والصرب تتقارب هذه الأغانى حتى لا يعوزها إلا أواصر قليلة لتصير ملاحم . وكذلك نشأ تاريخ الأمم كلها : فالناس يقصون ويتغنون قبل أن يكتبوا . وعلى هذه القصص اعتمد المؤرّخون الأوّلون . ونحن نرى طابع الملاحم في أخبار هِرُدوت المأثورة عن العصور الأولى . لا يلجأ المؤرّخ إلى هذه القصص إلى حين يملق وتعوزه الأنباء . ولكن القاصّ يجد فيها كل ما يريد فيؤلفها أثارة أدبية حافظا مادتها وصورتها جهد طاقته . فان مكنته مواهبه من الإبانة عن مشاعر